هلال بن محسن الصابي
8
الوزراء
غلط غلطا جاهلا بحكمه ، وأخطأ خطأ خارجا عن علمه ، لما تعيّن عليه حكم ، ولا تعلّق به حدّ . وعلى هناك ، فمتى كان علم الإنسان أكثر من عقله كان حتفه في علمه ، أو عقله أكثر من علمه أمكنه به جبر عجزه وإتمام نقصه ؛ وما دبّر العقل شيئا إلا أقام أوده وعدل ميده « 1 » ، ولا دخل الجهل أمرا إلا حلّ نظامه وأحال التئامه . فقد ثبت أن الفضل فرع أصله العقل . ثم تدعو الحاجة مع وجود هذا الأصل إلى بان يعلى أساسه ، ويسقى غراسه ، من أدب يقتبس ، وعلم يكتسب ، ورياضة تصلح ، وتوفيق يلحق ، فإذا التقى من ذينك فرع وأصل ، واقترن أدب وعقل ، اجتمع بهما قوى العقل ، ولمع بينهما نور الحزم ، وأمكن رافع البناء أن يرتقى ذروته ، وغارس الغرس أن يجتنى ثمرته . وقد أعطى اللّه مولانا من العقل البارع ، والفضل الرائع ، بالشاهد الشائع ، والدليل الناصع ، من أخلاق الرّئاسة المجتمعة فيه ، ومجارى السياسة السائرة عنه ، ما جعل النعمة مقتسمة بين خاصّ له بحقّ الانفراد بها ، وعامّ لمن سواه بحكم الاشتراك فيها ، لا جرم أنها تصغر على الذّكر ، وتكبر على الفكر ، وتقلّ على الإخبار ، وتجل مع الاختبار ، وتدعو في تصرف الأحوال إلى الشكر ما بلّ ريق فما ، وعلت ساق قدما . فإنه - أدام اللّه تمكينه - جدّد معالم من الخير دارسة ، وأعاد معاهد من الكرم طامسة ، وردّ رسوما من العدل داثرة ، وأنهض أقداما من الأمل عاثرة ، وأرانا على العيان والوجدان ما عدمناه على مرّ الأيام والأزمان ، فقد تعلق به - أطال اللّه بقاءه - أهل القول بالتناسخ إذ حلّ فيه كلّ روح زكية ، ونفس كريمة ، وخليقة طاهرة ، وفضيلة ظاهرة ،
--> ( 1 ) الأود : العوج . والميد : الميل .